ابراهيم بن عمر البقاعي
233
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
سلط عليه ، ولا ينبغي أن تعتبر بظاهر أحوال الناس ، فإن في الزوايا خبايا ، والحق سبحانه يستر أولياءه في حجاب الظنة ، كذا في الخبر « كم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على اللّه لأبره « 1 » » . ولما كان إطلاق القوم لمن كان فيه أهلية المقاومة وهم الرجال ، قال معبرا بما هو من النسوة بفتح النون أي ترك العمل : وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ ثم علل النهي بقوله : عَسى أي ينبغي أن يخفن من أَنْ يَكُنَّ المسخور بهن خَيْراً مِنْهُنَّ أي الساخرات . ولما كانت السخرية تتضمن العيب ، ولا يصرح فيها ، وكان اللمز العيب نفسه ، رقي الأمر إليه فقال : وَلا تَلْمِزُوا أي تعيبوا على وجه الخفية أَنْفُسَكُمْ بأن يعيب بعضكم بعضا بإشارة أو نحوها ، فكيف إذا كان على وجه الظهور ، فإنكم في التواصل والتراحم كنفس واحدة ، أو يعمل الإنسان ما يعاب به ، فيكون قد لمز نفسه أو يلمز غيره فيكون لمزه له سببا لأن يبحث عن عيوبه فيلمزه فيكون هو الذي لمز نفسه وَلا تَنابَزُوا أي ينبز بعضكم بعضا ، أي يدعو على وجه التغير والتسفل بِالْأَلْقابِ بأن يدعو المرء صاحبه بلقب يسوءه سواء كان هو المخترع له أولا ، وأما ألقاب المدح فنعم هي كالصديق والفاروق . ولما كان الإيمان قيدا لأوابد العصيان ، وكان النبز والسخرية قطعا لذلك القيد ، علل بما يؤذن بأنه فسق ، معبرا بالكلمة الجامعة لجميع المذامّ تنفيرا من ذلك فقال : بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ أي الخروج من ربقة الدين بَعْدَ الْإِيمانِ ترك الجارّ إيذانا بأن من وقع في ذلك أوشك أن يلازمه فيستغرق زمانه فيه فإن النفس عشاقة للنقائص ، ولا سيما ما فيه استعلاء ، فمن فعل ذلك فقد رضي لنفسه أن يوسم بالفسق بعد أن كان موصوفا بالإيمان . ولما كان التقدير : فمن تاب فأولئك هم الراشدون ، وكان المقام بالتحذير أليق ، عطف عليه قوله : وَمَنْ لَمْ يَتُبْ أي يرجع عما نهى اللّه عنه ، فخفف عن نفسه ما كان شدد عليها فَأُولئِكَ أي البعداء من اللّه هُمُ أي خاصة الظَّالِمُونَ * أي العريقون في وضع الأشياء في غير مواضعها .
--> ( 1 ) أخرجه مسلم 2622 و 2846 والحاكم 4 / 328 من حديث أبي هريرة . - وأخرجه بنحوه البخاري 2806 ومسلم 1675 وأبو داود 4595 والنسائي 8 / 26 من حديث أنس .